عبد الملك الجويني
211
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولكنا نأتي بمسالكهم ، ولا [ نعرّج على المشاحة ] ( 1 ) في التصوير . فنقول : أولاً - لو حاذى المتعسف ميقاتاً بعيداً ، وبين يديه ميقاتٌ آخر ، وسيحاذيه في ممره ، فليس له أن يؤخر الإحرامَ ، عن محاذاة الميقات الأول ؛ منتظراً محاذاةَ الميقات الثاني . كما ليس للذي يأتي من صوب المدينةِ ، أن يجاوز ذا الحليفة ، ليحرم من الجحفة . وإن توسط في ممره ، ووجهته إلى مكة ميقاتين ، ووقع أحدهما منه على اليمين ، والثاني على اليسار ، فإن أمكن ذلك ، فليحرم من مكانه ؛ فإنه لو حاذى من أحد قُطريه ( 2 ) ميقاتاً ، لأحرم ، وقد حاذى الآن ميقاتين . ولو جاوز مكانه ، فهو مسيء . وإذا أطلقنا المحاذاة في هذه المسائل ، فلا شك أنا نعني بها المسامتة ( 3 ) ، من اليمين ، أو الشمال ؛ فإن المحاذاة بالظهر ، صفةُ المجاوزين ، والمحاذاة بالوجه صفة من لم ينته بعدُ إلى الميقات ، وهو مارّ إليه . 2523 - ثم قال الأئمة : إذا توسط ميقاتين ، وكان أحدُهما أقربَ إلى مكة ، من الثاني لو فرض اطّراقهما ، فإن كان المتوسِّط أقربَ إلى أحد الميقاتين منه إلى الثاني ، فهو يُحرم من مكانه ، ولكنه منسوبٌ إلى الميقات القريب منه . وإن استوت المسافةُ بينه ، وبين كل واحدٍ من الميقاتين ، قالوا : في المسألة وجهان : أحدهما - أنه منسوب إلى أبعدهما ( 4 ) . والثاني - أنه يجوز أن يُنسب إلى أقربهما من مكة . وهذا فيه فضلُ نظر ، فإنا كيف قدّرنا الأمر ، فهو مأمور بالإحرام من مكانه الذي حاذى فيه الميقاتين ؛ وذلك المكانُ ميقاتُه على الحقيقة ، فأي معنى لنسبته إلى أحد الميقاتين ، وميقاته الحقيقي مكانُه ، ينشئ الإحرام منه . ولو فُرضت مجاوزتُه ، لكان
--> ( 1 ) في الأصل : نفرح عن الإباحة ، ( ك ) : المساحة . ( 2 ) قطريه : مثنى قطر ، وقُطر الرجل : جانبه . ( 3 ) المسامتة : الموازاة ، من اليمين أو الشمال . ( 4 ) ( ط ) : أحدهما .